Breaking

لماذا عليك أن تشاهد الفيلم الأخير للمخرج الراحل “ستانلي كوبريك”

يجسد فيلم “عيون مغلقة على اتساعها – Eyes Wide Shut” للمخرج ستانلي كوبريك منهجه بأن تسير مجريات العمل السينمائي عموماً كمقطوعة موسيقية أكثر منه كقطعة روائية أدبية.
وهذا لا ينبع من استخدام معين لبعض المعزوفات أو الألحان بدلاً من أية عناصر سردية أخرى، حتى مع استخدام المخرج لها بكثافة في هذا العمل تحديداً، بل هو توليف مقصود وبناء فيلمي مدروس للتوصل إلى نفس شعور الذي يصعب وصفه وينتابك حين تتفاعل مع سماعك لموسيقى تمس موضوعاً ما.
وهنا، بدلاً من الاكتفاء بسماعها، يعمد كوبريك أن تراها أيضاً؛ مستخدماً نظرته وآلاته الإخراجية الموسعة ليعزف لحناً مرهقاً ومؤرّقاً يترنح بين عتبتي الحلم والخيال، حول جنون النفس البشرية واستسلامها تجاه الشهوة الجنسية، سواءً بحلّوها أو مرّها، بشرعيتها أو حرمتها.
رواد وعباقرة السينما الصامتة
إلا أنه لن يكون ستانلي كوبريك الفريد بأسلوبه إن كان سيكتفي بمناقشة هذا الموضوع وحسب، دون إيحاءات متفرعة ذكية في ثناياً كل مشهد، تمس حتى الممثلين الموجودين فيه، علماً أنه كان فيلمه الأول بعد 12 عاماً، والأخير له قبل وفاته بمدة بسيطة بعد الانتهاء من تصويره.
فيستخدم المخرج كلاً من الطبيب بيل هارفورد وزوجته الحسناء آليس (توم كروز ونيكول كيدمان، المتزوجين في الواقع آنذاك) كثنائي ثري يعيش حياة مثالية على الورق – تماماً من حال الممثلين في صورتها العامة -
ليبني قصة متقاطعة تطرح مفارقة ما مع بداية الفصل، ثم تقوم بشرحها قبيل نهايته، وصولاً لعرض ضعف الإنسان مهما كانت مكانتها الاجتماعية حين يستحوذ عليه عدم الانتماء لأي مكان وتقنعه وتنكره بلباس الانتقام جراء تخبط حياته الشخصية، بدلاً من مواجهتها ومعالجتها وتقبلها كما هي.
الحيرة والعجز والإنكار وعدم الانتماء الظرفي هي العوامل الفعلية التي تدفع بيل للسير في شوارع نيويورك دونما وجهة محددة، ونزوله لدرجات سفلية حتى وشوك الوقوع في الخطيئة بعد أن اعترفت له زوجته أنها حلمت بخيانته مع ضابط في البحرية بإحدى المرات، واستعدادها التخلي عن زوجها وابنتها وكل شيء من أجل ليلة واحدة معه.
لكن لاحظ لتأسيس كوبريك لجمال آليس منذ تعليق المربية في المنزل إلى خطفها أنظار كل من تقابلهم من رجال في الحفلة، ما عدا زوجها الذي يُبدي تعليقه دون حتى النظر إليها.

تذوب بين ذراعيه

يفترق الزوجان في الحفلة، تبدأ آليس الشرب عند البار، فتقابل رجلاً مجرياً، لا تمانع الرقص معه، وتكاد تذوب بين ذراعيه كأنه كأس من الشراب يزيد من ثمالتها وهو يحادثها عن العذرية والفن وعن مدى حسنها، بينما يغازل ويجامل بيل عارضتين مجهولتين في الجهة المقابلة.
يستمر كلاهما بإكمال حديثهما دونما رغبة حقيقية بإنهائه، آليس تترك الرجل المجري وتؤجل الذهاب معه إلى الطابق العلوي لرؤية بعض الأعمال الفنية إلى وقت آخر بحجة أنها متزوجة، ومسير بيل مع هاتين العارضتين يصل لنهايته حين يستدعيه فيكتور زيغلر (سيدني بولاك) لإنقاذه من مأزق قيام العاهرة التي كان معه بتناول جرعة زائدة من هيروين والكوكايين معاً.
فيتبادر لذهن المشاهد أن لولا وضعهما الحالي، لكانت اختياراتهما مختلفة عن ما آل عليه المشهد. يدخل بيل إلى حمام فيكتور ونلحظ أن الأخير حرص على ارتداء سرواله دون قيامه بتغطية العاهرة، ولا يريد سوى التخلص منها وإرسالها إلى منزلها لوحدها، لكن بيل ينصحه بتركها عنده ساعة إضافية وإيصالها إلى المنزل برفقة أحد ما.
هل هو افضل فيلم رومانسي؟ .. ربما !
1

هشاشة معايير الالتزام والحب والوفاء

إن السيناريو الذي اقتبسه كوبريك مع فريدريك رافاييل – عن رواية آرثر شنيتزلر الصادرة في العام 1926 – مليء بهذه الوقفات والمنعطفات الدرامية؛ يرى بيل في هذا الحمام نسخة مصغرة عن نهاية لحظة من الفاحشة أو الشهوة التي ربما كان سيقوم بها لولا استدعاء فيكتور له، وما يدفع مثل هذا الرجل الغني المتزوج وذو المكانة لخيانة زوجته.
وحينما يبدأ بيل رحلته على الطرقات ومشاعر الحقن والغضب وصورة زوجته مع ذلك الضابط في ذهنه، تعترضه بعض الشخصيات التي تمس بعض أوتار الحساسة عنده؛ من المرأة التي تفاجئ بيل بتقبيله حتى وهي حزينة على وفاة والدها، ومجموعة الشبان الذين يصفونه بالمخنث، والعاهرة فائقة الجمال التي تدعوه إلى المنزل ويتبادلان قبلة حارة قبل أن تتصل به زوجته وتخرجه من ذلك المكان، فماذا يمكن أن يحصل لو لم تتصل.
الشخصيات الثانوية بمجملها، تؤكد هشاشة معايير الالتزام والحب والوفاء وحصانة الشهوة بين الأزواج وغيرهم حسب رأي كوبريك، وحتى بائع الأزياء التنكرية الذي يثور غضبه على ابنته وهي تمارس الجنس مع رجلين داخل متجره، يغير رأيه كلياً حينما يتوصل “لاتفاق” معهما.
وذلك المنزل المذهل الذي يندس إليه بيل منقاداً بنار الانتقام يعمل كاستعارة من السعير لما يجول في خواطر الزوجين من خيالات سوداء تصف قدرة الرغبة وقوتها على استعباد عقول البشر في حال سماحهم لحدوث لذلك.
ولأن بُعد نظر كوبريك للأشياء والصور السينمائية أعمق مما هو تقليدي الطموح، يمكن لك تخيله وهو يفكر في روعة شكل الممثلين على بوستر فيلمه، وصلتهما المباشرة وغير المباشرة لمواضيع عمله المتشابكة، حيث يقترح كوبريك أن الشهوة تبقى حاضرة في خلجات الإنسان مهما كانت حالته من حزن أو مرض أو ضيق أو سعادة، ما يختلف هو مبرر مثولها في اللحظة القائمة.

 امرأة بلا روح كمعظم النساء المعدودات في أفلام كوبريك

المشهدان الأكثر تعقيداً في الفيلم، ويؤكدان على زرع المشاهد على الحافة الفاصلة بين الحلم والواقع كما يود كوبريك عبر تصويره السينمائي وحواره المتمهل العميق، هما أولاً حين يرى بيل القناع ينام محله على وسادته إلى جانب زوجته..
وانهياره واعترافه لآليس بكل ما مر به (أداء جيد من توم كروز عموماً رغم جموده وسطحيته وقصر قدراته ببعض المشاهد)، وردة فعلها المتعقلة في المشد الختامي (نيكول كيدمان تبدو أكثر تحكماً بكافة مشاهدها التي تشترك بها مع كروز، لكنها تظل امرأة بلا روح كمعظم النساء المعدودات في أفلام كوبريك).
السؤال هنا لا يمكن في الطريقة التي وصل بها القناع إلى الوسادة، بل في سبب انهيار بيل حال رؤيته له وقد انتحل مكانته. فهل هو رمز لرغبته بالخيانة وتداعي حياة زوجية مثالية استمرت لتسع سنين في ليلة وضحاها؟
تذكر أن كوبريك لطالما ركز أحداث أعماله خلال مدة زمنية قصيرة، أحياناً خلال يوم أو يومين، وتعمد دوماً ملاحقة الرجال كأداء يثقلها بهموم ومصائب وضغوطات شديدة. كما أن خواتيم مشاريعه لا تقترح حلولاً بقدر ما هي تصفية وراحة بال لما مضى به أبطاله في رحلاتهم المضنية.
ولهذا ربما ما تجيب عليه آليس في كلمتها الأخيرة لبيل وهما يشتريان لابنتها هدايا عيد الميلاد، قد يوفر لهما طمأنينة نفسية نسبية: كلمة “ممارسة الجنس” كحلٍ لمشكلتهما؛ كلغة تواصل حسية لا غنى عنها، تحكي وتعبر أكثر من أية كلمات، قاما بالبحث عنها خارج قفص الزوجية، فعرفا جحيماً يسير على الأرض من الهلوسة، رغم وجود هذا السبيل أمام أعينهما التي أعمتها غشاوة الشهوة الواسعة.
2

يتم التشغيل بواسطة Blogger.