Breaking

علم النفس


بداية تجدر بنا الإشارة إلى أن لكل علم من العلوم موضوع خاص يتخذه محور دراسته، فعلم الفيزيقا يدرس خواص المادة وخواص الطاقة بمختلف صورها، وتحول بعضها إلى بعض، وعلم الكيمياء يدرس تركيب المواد المختلفة وتفاعل بعضها مع بعض، وعلم الأحياء والبيولوجية يدرس تكوين الكائنات الحية ونشاطها ونموها وتكيفها للبيئة التي تعيش فيها ... وعلم الاجتماع يدرس حياة الجماعة ومشاكلها ومختلف أشكال التنظيم الاجتماعي فيها.

أما علم النفس فنجد له تعاريف كثيرة ومن أهمها نذكر ثلاثة، ما يلي:

-         إنه العلم الذي يدرس الحياة النفسية وما تتضمنه من أفكار ومشاعر وإحساسات وميول ورغبات وذكريات وانفعالات.
-         إنه العلم الذي يدرس أوجه نشاط الإنسان وهو بتفاعل مع بيئته ويتكيف معها.
-         إنه العلم الذي يدرس سلوك الإنسان، أي كل ما يصدر عنه من أفعال وأقوال وحركات ظاهرة.

وانطلاقا من هذه التعاريف نستطيع القول إن علم النفس يدرس:

-         كل ما يفعله الإنسان ويقوله، أي كل ما يصدر عنه من سلوك حركي أو لفظي كالمشي والجري والأكل والكتابة والكلام والضحك ...
-         كل ما يصدر عنه من نشاط عقلي كالإدراك والتذكر والتخيل والتفكير والتعلم والابتكار ...
-         كل ما يستشعره من تأثيرات وجدانية وانفعالية كالإحساس باللذة والألم، وكالشعور بالضيق أو الارتياح، بالحزن أو الفرح بالخوف والغضب، وكل ما ينزع إليه، أو ما يريده ويرغب فيه أو ينفر منه وينبذه.

موضوع دراسة علم النفس

قد يتضح لنا من خلال ما سبق ذكره أن علم النفس يدرس ثلاثة أوجه من النشاط، نشاط أو سلوك حركي لفظي، سلوك ظاهري خارجي، موضوعي يمكن أن يلاحظه وأن يبحثه أشخاص آخرون كثيرون غير الشخص الذي يصدر عنه، نشاط ذهني عقلي وجداني انفعالي لا يمكن أن يشعر به وأن يدركه وأن يلاحظه إلا صاحبه وحده دون غيره من الناس، هذه الأوجه المختلفة من النشاط الحركي اللفظي والجسمي والعقلي والانفعالي التي تبدو في تعامل الإنسان مع بيئته وتفاعله معها، والتي تعكس تأثيره فيها وتأثره بها، هي موضع دراسة علم النفس.


مباحث علم النفس

إن علم النفس الحديث كغيره من العلوم الطبيعية والاجتماعية يصف الظواهر التي يدرسها وصفا دقيقا، ثم يفسرها في ضوء قوانين ومبادئ عامة، فكما وصل علم الفيزيقا إلى قانون (بويل) الذي يبين العلاقة بين حجم الغاز وضغطه إذا بقيت درجة الحرارة ثابتة، وكما وصل علم الكيمياء إلى قانون (بقاء المادة) وكما وصل علم الاقتصاد إلى قانون (العرض والطلب) كذلك يحاول علم النفس الحديث أن يظفر بقوانين ومبادئ عامة في موضوعات التعلم والتذكر والتفكير والانفعال وغيرها، بل وصف مختلف أشكال السلوك الإنساني السلوك الفطري والسلوك المكتسب، السلوك الذكي والسلوك الغبي السلوك السوي العادي والسلوك الشاذ المنحرف، السلوك الاجتماعي والسلوك المضاد للمجتمع، السلوك الثابت والمتقلب ... ثم يبحث عن الشروط والعوامل التي لا يتم هذا السلوك دونها، أي عما يقوم وراء هذا السلوك من استعدادات كامنة ودوافع شعورية وغير شعورية، إذ كثيرا ما لا يكون الفرد شاعرا بما يحركه من دوافع، هذا فضلا عن الظروف الخارجية المختلفة التي ينبعث فيها هذا السلوك.
.







أهداف علم النفس     

إذا كان علم النفس الحديث هو علم السلوك كما أشرنا سابقا فإن له أهدافا يريد الوصول إليها وتحقيقها ونذكر منها ما يلي:

- فهم السلوك وتفسيره.
- ضبط السلوك والتحكم فيه بتعديله وتحويره وتحسينه.
- التنبؤ بما سيكون عليه السلوك.

بيد أن الهدف الأساسي والنظري لعلم النفس يكمن في جمع الوقائع وصياغة المبادئ العامة والقوانين التي يمكن بها فهم السلوك وتفسيره تفسيرا علميا، فهو يساعدنا على فهم أنفسنا وفهم من نعاشرهم ونعاملهم ونتعامل ونتفاعل معهم من الناس.


خصائص علم النفس


بات مؤكدا أن علم النفس اليوم لا يهتم بماهية النفس أو نشأتها خلودها ومصيرها، فهذا من اختصاص الفلسفة فهو اليوم علم السلوك لا علم النفس، فكما أن علم الأحياء لا يهتم بالبحث في ماهية الحياة بل يدرس تكوين الكائنات الحية ونشاطها ونموها وتطورها، كما أن علم الفيزيقا لا يبحث في ماهية المادة أو الطاقة، بل في خصائص المادة والضوء والصوت والحرارة والكهرباء والمغناطيسية ومظاهر كل منها.

كذلك علم النفس الحديث لا يبحث في النفس، بل في السلوك فهو علم يدرس السلوك بمنهج البحث العلمي الذي تتبعه العلوم الطبيعية كالفيزيقا والكيمياء، والذي يعتمد على الملاحظة المنظمة والتجارب المضبوطة، لا على التأمل البحت والملاحظة العارضة وما يجري على ألسنة الناس من قصص وروايات عن سلوك الإنسان والحيوان، فهو لا يهتم بما يسمى بالبحوث الروحانية كتحضير الأرواح ولا بالمسألة الميتافيزيقا الماورائية، وكما لا يدعى تحليل شخصيات الناس ومعرفة أخلاقهم وأسرارهم من سمات وجوههم أو من بريق عيونهم ولا يدعي أيضا أنه يستطيع التكهن بالمستقبل على غير أساس علمي، أو يستطيع معرفة الخلق أو الإرادة من تحليل خطوط الناس أو من إلقاء نظرات خاطفة على وجوههم وليس أبعد منه أن يرغم مزاولة العلاج النفسي أو تقوية الإرادة أو تحسين الشخصية عن طريق المراسلة كما يفعل بعض الناس.

فيهتم علم النفس اليوم بالنواحي التطبيقية، من أبرزها رفع مستوى الكفاية الإنتاجية في المؤسسات والمصانع، وتحسين العلاقات الإنسانية بين الرؤساء والمرؤوسين والمحافظة على الصحة النفسية للفرد، وحل المشكلات التعليمية والسلوكية التي تعترض المدرسة، وللمشاريع في ميدان التربية والتعليم ومساعدة الناس على التكيف والتوافق والتلاؤم  مع بيئاتهم الاجتماعية المختلفة: في البيت وفي المدرسة وفي المصنع وفي النادي وفي المؤسسات وفي الجامعات وفي الجيش ...

    
فروع علم النفس

إن التقدم في المعارف السيكولوجية خلال الخمسين سنة الأخيرة أدى إلى اتساع آفاق علم النفس وإلى تعدد مسائله وإلى التخصص والتفرع، فظهرت له فروع نظرية تهدف إلى الكشف والوصول إلى صياغة المبادئ والقوانين العامة التي تهيمن على سلوك وأخرى تطبيقية تستهدف تحقيق أغراض علمية وحل مشكلات علمية في شتى نواحي الحياة، فيما يلي نرد أهم الفروع النظرية:

علم النفس العام: يهتم أساسا بدراسة أوجه النشاط النفسي التي يشترك الناس فيها جميعا، كالتفكير والتعلم والنسيان والانفعال ... وهو أساس كل الفروع الأخرى.

علم النفس الفارق: يدرس مابين الأفراد أو الجماعات أو السلالات من فوارق في الذكاء أو في الخلق أو في الشخصية أو الاستعدادات والمواهب الخاصة، كما يدرس أسباب هذه الفوارق مستندا إلى الحقائق التي يكشف عنها علم النفس العام، فإذا كان علم النفس العام يبين لنا كيف تتشابه الأفراد فعلم النفس الفارق يبين كيف يختلفون وإلى أي حد هم يختلفون.




علم النفس الارتقائي: يهتم بدراسة مراحل النمو المختلفة التي يجتازها الفرد في حياته، والخصائص السيكولوجية لكل مرحلة والمبادئ العامة التي تصف مسيرة هذا النمو والارتقاء ومن فروعه علم النفس مرحلة الرضاعة، سيكولوجية الطفل، سيكولوجية المراهق، سيكولوجية الشيخوخة.

علم النفس الاجتماعي: هذا الفرع يدرس سلوك الأفراد والجماعات في المواقف الاجتماعية المختلفة، أي يدرس الصور المختلفة للتفاعل الاجتماعي، أي التأثير المتبادل بين الأفراد بعضهم ببعض، ويعين الجماعات بعضها ببعض، وبين الأفراد والجماعات وبين الآباء والأبناء، بين التلاميذ والمدرسين، بين العمال وأصحاب العمل، أو بين العمال بعضهم بعض، بين المعالج والمريض ... ومن صور التفاعل الاجتماعي: التعاون والتنافس، الحب والكره، الارتياب والمحاكاة والتشجيع والتعصب والإيحاء ... كذلك يدرس نتائج هذا التفاعل ومنها تكوين الآراء والعواطف والمعتقدات وشخصيات الأفراد.

علم النفس الشواذ: يبحث في نشأة الأمراض النفسية والأمراض العقلية وضعف العقل والإجرام وأسبابها وعواملها المختلفة مع محاولة وضع أسس علمية لعلاجها، وهنا لا بد أن نميز بين علم النفس الشواذ وبين الطب النفسي الذي هو فرع من الطب، يقوم على دعامتين من الطب وعلم نفس الشواذ ويختص بفحص الاضطرابات النفسية والعقلية المختلفة وعلاجها علميا ورعايتها والوقاية منها.

علم النفس الحيوان: يبحث في سلوك الحيوانات ويحاول أن يجيب عن الأسئلة التالية:

-         هل تستطيع الحيوانات أن تفكر؟
-          كيف تبدو لها الأشياء الموجودة في العالم الخارجي؟
-          ألديها قدرة على التفكير؟ وماذا تتذكر؟
-          أتشترك الحيوانات مع الإنسان في بعض الدوافع؟
وقد أفادت هذه الدراسات علم النفس فائدة كبرى وألقت الضوء على كثير من موضوعاته بخاصة موضوعي التعلم والذكاء.

علم النفس المقارن: يقارن سلوك الإنسان بسلوك الحيوان وسلوك الطفل بسلوك الراشد وسلوك البدائي بسلوك متحضر وسلوك الشخص السوي بسلوك الشخص الشاذ.

أما فيما يخص الفروع التطبيقية فنرد ما يلي:

علم النفس التربوي: يطبق مبادئ علم النفس وقوانينه على ميدان التربية والتعليم لحل ما يقوم في هذا الميدان من مشكلات وصعوبات كضعف التلاميذ في تعلم اللغات، أو في تدريس القراءة للمبتدئين بالطريقة الكلية أو الجمع بين الجنسين في مرحلة الدراسة الثانوية أو تدريس العلوم على صورة علوم عامة.

كما يطبق مبادئ عملية التعلم وقوانينها على تدريس المواد المختلفة كالحساب والرسم والقراءة واللغة... وعلم النفس التربوي بمفهومه الحديث لا يقتصر على أن يستعير من علم النفس النظري ما يصل إليه من نتائج ومبادئ تفيده في حل مشكلات التربية والتعليم، بل يصوغ بنفسه ولنفسه مبادئ سيكولوجية يحتاج إليها البحث في هذه المشكلات.

علم النفس الصناعي: يستهدف رفع مستوى الكفاية الإنتاجية للعامل وللجماعة، ذلك عن طريق حل المشكلات المختلفة التي تغشى ميدان الصناعة والإنتاج حلا علميا إنسانيا يقوم على مبادئ علم النفس ومفاهيمه ويحرص من جهة أخرى على راحة العامل وكرامته بغية ارتفاع وتحسين إنتاجيته.

إنه يرمي إلى تهيئة جميع الظروف المادية والاجتماعية التي تكفل إنتاج أكبر مقدار من أجود نوع، في أقصر وقت، وبأقل مجهود وأكبر قدر من رضاء العامل وارتياحه، فمن الموضوعات التي يدرسها ويهتم بها: التوجيه والاختيار والتدريب المهني، تحليل الأعمال الصناعية المختلفة، دراسة المراكز وأثر الإضاءة والضوضاء والتهوية ودرجتي الحرارة والرطوبة في الإنتاج.

هذا إلى جانب مشكلات التعب والملل الصناعي وحوادث العمل وطرائق الأمن الصناعي فضلا عن اهتمامه مشتركا مع علم النفس الاجتماعي بموضوع العلاقات الإنسانية في ميدان الصناعة بين العمال وأصحاب العمل وبين العمال بعضهم ببعض. 

علم النفس التجاري: يهتم بدراسة دوافع الشراء وحاجات المستهلكين غير المشبعة وتقدير اتجاهاتهم النفسية نحو المنتجات الموجودة في السوق ... كما يدرس سيكولوجية البيع باهتمامه باختيار عمال البيع، وطرائق تأثير البائع في المشتري من حيث تزكية السلعة في نظره ومواجهة اعتراضاته، وتحطيم مقاومته وانتهاز اللحظة السيكولوجية المناسبة لإتمام الصفقة.

هذا فضلا عن اهتمامه بسيكولوجية الإعلان: تصميم الإعلان ونوعه وحجمه ولونه وموضعه ومرات تكراره، ذلك على أساس أن الإعلان الجيد هو الذي يسهل تذكره عند الحاجة، والذي يوحي إلى المستهلك بأنه في حاجة بالفعل إلى السلعة موضوع الإعلان.

علم النفس الجنائي: فرع تطبيقي من علم النفس الشواذ يدرس العوامل والدوافع المختلفة التي تتضافر على أحداث الجريمة، ويقترح أنجع الوسائل لعقاب المجرم أو علاجه.

علم النفس تالإكلينيكي: يهدف  تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية الخفيفة علاجا نفسيا، كعيوب النطق والتخلف الدراسي وبعض حالات القلق الهبوط والشعور الموصول بالنقص أو بالحيرة والتردد أو بفقدان الأمن والطمأنينة وبعض الأمراض النفسية ... والقياس السيكولوجي جزء من وظائف الخبير الإكلينيكي، ويقصد به ملاحظة وتحليل وتقدير ما للمريض من ذكاء وقدرات عقلية وسمات خلقية واتجاهات نفسية إلى غير ذلك من الصفات التي لو أضيفت إلى الفحص الجسمي للفرد ودراسة حالته الاجتماعية لإعطاء صورة متكاملة عنه، وتساعد على تقديم الاقتراحات والوصايا إليه.
يتم التشغيل بواسطة Blogger.