Breaking

جهود العلماء في خدمة الفقه

جهود علماء المذهب المالكي في خدمة أصول الفقه
جهود العلماء في خدمة الفقه من خلال المجالات التالية
الفتاوى
النوازل
القواعد الفقهية
عندما ظهر المذهب المالكي وانتشر في القرن الثاني الهجري على يد إمامه :  مالك بن أنس  رحمه الله  كانت له أصول وقواعد خاصة تميزه عن المذاهب الأخرى .
وكان هذا المذهب امتدادا  لطريقة أهل الحديث التي أسسها سعيد بن المسيب رحمه الله ، وكان يقابل هذه الطريقة طريقة أهل الرأي في العراق،  وإذا كان الإمام أبو حنيفة قد تبنى طريقة أهل الرأي وأصبحت تعرف به ويعرف بها ، فإن مالكا رحمه الله تعالى تبنى طريقة أهل الحديث ، وتشرب أصولها وقواعدها فانعكس ذلك على منهجه في استنباط الأحكام من الأدلة 1 ،  وأصبح له مذهب خاص يميزه عن غيره ، وهو يلخص هذا المنهج بقوله : -
  الحكم الذي يحكم به بين الناس حكمان ، ما في كتاب الله ، أو أحكمته السنة ، فذلك الحكم الواجب لك الصواب ، والحكم الذي يجتهد فيه العالم برأيه ، فلعله يوفق ، وثالث متكلف فما أحراه  ألا يوفق  أ- هـ 2.
والإمام مالك وإن لم يكن له كتاب مدون في أصول الفقه 3 ، إلا أنه يعد من أعلام هذا العلم 4 ، وهو لا يفتأ يشير إلى كثير من القضايا  والمباحث  الأصولية في كتبه المختلفة ، وخصوصا كتابه الجليل الموطأ .
ولعل اهتمام الإمام مالك بعلم الأصول وتميزه فيه هو الذي دفع بعض المالكية إلى القول بأنه أول من تكلم في هذا العلم 5.
ويلخص القاضي عياض طريقة علماء الأمة في الاجتهاد والأصول التي يعتمدون عليها في استنباط الأحكام ، ثم يبين المنهج الذي تميز به الإمام مالك عن غيره بقوله :  وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة وتقررت مأخذهم في الفقة والاجتهاد في الشرع وجدت مالكا رحمه الله تعالى ناهجا في هذه الأصول مناهجها ، مرتبا لها مراتبها ومدارجها ، مقدما كتاب الله ومرتبا له على الآثار ، ثم مقدما لها على القياس والاعتبار ، تاركا منها لما لم يتحمله عنده الثقات العارفون بما تحملوه ، أو ما وجد الجمهور الجم الغفير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه ، ولا يلتفت إلى من تأول عليه بظنه في هذا  الوجه سوء  التأويل ، وقوله ما لا يقوله ، بل يصرح أنه من الأباطيل ، ثم كان من وقوفه عن المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوصات ما سلك به سبيل  السلف الصالحين ، وكان يرجح  الاتباع ، ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضين  أ- هـ  6.
والقاضي عياض في قوله هذا يحدد أصول الإمام مالك  بأربعة أصول فقط وهي :
1-     الكتاب .
2-     السنة .
3-     عمل أهل المدينة .
4-     القياس .
وهذا التحديد ليس دقيقا ، إذ هذه الأربعة ليست فقط هي أصول الإمام مالك ، بل إن له جملة من الأصول يدركها كل من تتبع أقواله وأحكامه في كتبه المختلفة .
ويرى  الشيخ محمد أبو زهرة  أن أدق إحصاء لأصول المذهب المالكي هو ما ذكره القرافي في كتابه تنقيح الفصول ، حيث حصر أدلة الشرع في تسعة عشر دليلا ، وبين في ثنايا بحثه لها أهم الأصول التي يحتج بها  المالكية ، وهي :
1-    القرآن الكريم .
2-    السنة .
3-    الإجماع.
4-     إجماع أهل المدينة .
5-    القياس .
6-    قول الصحابي .
7-    المصلحة المرسلة .
8-    العرف .
9-     سد الذرائع .
10-          الاستصحاب .
11-          الاستحسان .
12-          البراءة الأصلية .
13-          الاستقراء.
14-          الاستدلال 7.
والإمام مالك وإن لم ينص على هذه الأصول جميعا ، فإنها مخرجة على مذهبه ، حيث تتبع أصحابه فروعه  واستخرجوا  منها ما يصح أن يكون أصولا قام عليها الاستنباط في ذلك المذهب العظيم ،ثم دونوها بعد ذلك ونسبوها إليه ، فصارت تعرف بأصول الإمام مالك 8 .
وبعد أن وضع الإمام مالك هذه الأصول جاء أتباعه من بعده فاعتنوا بمذهبه ، وجمعوا فروعه وأصوله ، وحرروا أقواله ومسائله ، وخرجوا عليها ، ومن أشهر هؤلاء الأتباع :
1-     القعنبي عبد الله بن مسلمة ت 221هـ. فقد ذكر صاحب الفهرست في ترجمته أنه روى عن مالك أصوله وفقهه وموطأ 9.
2-    معن بن عيسى القزاز وهو أحد أصحاب الإمام مالك الذين نقلوا عنه الأصول والفروع ، وقد أخذ عن الإمام مالك مشافهة  وروى كتبه ومصنفاته 10.
3-    عبد الله بن عبد الحكم المصري فقد ذكر صاحب الفهرست عنه أنه روى عن مالك كتاب السنة والفقه 11.
وهؤلاء العلماء  وإن لم يكن لهم كتب مدونة في أصول الفقه على وجه الاستقلال إلا أن الناظر في سيرهم يدرك مدى خدمتهم لهذا العلم ، فهم قد بذلوا جهدا عظيما في جمع أقوال إمامهم ، وتحرير مسائله ، ومن ثم استنباط أصوله التي اعتمد عليها في أحكامه وفتاويه ، فكان لعملهم هذا أثر عظيم انعكس على علم الأصول وساهم بشكل كبير في اكتمال مادته العلمية  ، وبروزه كعلم مستقل .
وهذا وقد شهد القرن الثالث الهجري بزوغ نجم عدد من علماء  المالكية في أصول الفقه ، فكانوا من أعلام هذا الفن المعدودين ، وكانت له جهود كبيرة في خدمته تدريسا وتأليفا ومناظرة ، ومن أشهر هؤلاء :
1-    أصبغ بن الفرج المالكي المصري ت 225هـ فقد كان من أئمة المذهب المالكي المعدودين ، وله اهتمام واسع بعلم الأصول ، ولأجل ذلك عد من أعلامه 12. وكانت له مصنفات مختلفة في شتى علوم الإسلام ومنها علم أصول الفقه ، حيث نسب إليه كتاب فيه اسمه : كتاب الأصول 13.
2-    الجهضمي : إسماعيل بن إسحاق ت 282هـ ، وهو أحد أئمة المالكية في العراق ، وكانت له عناية خاصة بعلم أصول الفقه ، ويعد أحد أعلامه في القرن الثالث 14 ، وقد خلف – رحمه الله تعالى – جملة من المصنفات في التفسير والقراءات  والفقه والفرائض والحديث 15 ، وكان من جملة العلوم التي صنف فيها علم أصول الفقه ، حيث ألف فيه كتابا سماه  :  كتاب الأصول 16.
وخلاصة القول : أن المذهب المالكي قدم خدمة جلية لعلم أصول الفقه، حيث أثرى هذا العلم بأصوله وقواعده الخاصة ، وكانت تلك الأصول محل اهتمام العلماء المالكيين وغيرهم  ،حيث اعتنوا بها تحقيقا وتحريرا ومناقشة ومناظرة ، ولعل من أهم الأصول التي أضافها المالكية لهذا العلم :  إجماع أهل المدينة  فقد جعله الإمام مالك من مصادر أحكامه  ثم أصبح هذا الدليل فيما بعد مدارا لكثير من المناقشات بين أرباب المذاهب المختلفه ، فعلى حين يهتم المالكيون بتثبيته كأحد المصادر ويحاولون إقامة الأدلة على حجيته، ويقيمون الأدلة على ذلك 17.
وما من شك أن حاصل هذه المناظرات والمناقشات يصب في مصلحة علم الأصول ، حيث إن هذا يسهم بشكل كبير في توسيع مادته ،وكثرة التأليف والتصنيف فيه18 .
الهوامش :
1-     انظر حجة الله البالغة 1/301.
2-     جامع بيان العلم وفضله 2/31.
3-      انظر مالك لمحمد أبوزهرة ص 233.
4-     انظر :الفتح المبين 1/112.
5-      انظر : الفكر السامي 1/2/335.
6-     ترتيب المدارك 1/94 والديباج المذهب 16.
7-     انظر: شرح تنقيح الفصول 445-454.
8-     انظر : أصول الإمام مالك النقلية .
9-      انظر الفهرست 281.
10- انظر: المصدر السابق .
11- انظر : المصدر السابق .
12- انظر : المصدر السابق .
13- انظر : الفتح المبين 1/ 144.
14- انظر: شجرة النور الزكية ص66.
15- انظر : الفتح المبين 1/162.
16- انظر : ترجمته في ترتيب المدارك 3/168وتاريخ بغداد 6/284.
17- انظر : الديباج المذهب 1/289وشجرة النور الزكية ص 65.
18- علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري ، للدكتور أحمد الضويحي 1/ 575- 582.
يتم التشغيل بواسطة Blogger.