Breaking

محاربة الإسلام للمفاسد الاقتصادية ( الرشوة ) 1

محاربة الإسلام للمفاسد الاقتصادية ( الرشوة ) 1

وحدة التربية الاقتصادية والمالية : محاربة الإسلام للمفاسد الاقتصادية ( الرشوة ) 
     الدرس رقم 1     الدرس رقم 2


التمهيد 
المال أداة طبيعية في يد الإنسان يستخدمها في أعمال البر والإحسان والصلاح،
 كما قد يستعملها في أعمال الشر والفساد. وكثيرا ما يقدم إنسان على تصرفات مالية
 محرمة، فيعطيها طابع الإباحة ليأكل أموال الناس بالباطل. والرشوة الشائعة في المجتمعات من هذا القبيل. 

النصوص الشرعية 
قال تعالى:" وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" سورة البقرة الآية 188. 

توثيق النصوص 
* سورة البقرة: سورة مدنية،  عدد آياتها 286 آية، السورة الثانية من حيث الترتيب في المصحف، سُميت ‏السورة ‏الكريمة ‏‏" ‏سورة ‏البقرة ‏‏" ‏إحياء ‏لذكرى ‏تلك ‏المعجزة ‏الباهرة ‏التي ‏ظهرت ‏في ‏زمن ‏موسى ‏الكليم ‏حيث قُتِلَ ‏شخص ‏من ‏بني ‏إسرائيل ‏ولم ‏يعرفوا ‏قاتله ‏فعرضوا ‏الأمر ‏على ‏موسى ‏لعله ‏يعرف ‏القاتل ‏فأوحى ‏الله ‏إليه ‏أن ‏يأمرهم ‏بذبح ‏بقرة ‏وأن ‏يضربوا ‏الميت ‏بجزء ‏منها ‏فيحيا ‏بإذن ‏الله ‏ويخبرهم ‏عن ‏القاتل ‏وتكون ‏برهانا ‏على ‏قدرة ‏الله ‏جل ‏وعلا ‏في ‏إحياء ‏الخلق ‏بعد ‏الموت‎ 

الشرح اللغوي: 
• الرشوة: ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل.
• تدلوا بها: تدفعونها رشوة وتتقربون بها إلى المرتشين.
• فريقا من أموال الناس بالإثم: أي جزءا من أموال الناس بالباطل.
• وأنتم تعلمون: أي تعلمون أنكم مبطلون وتأكلون الحرام 


المضامين: 
نهيه تعالى عن أكل أموال الناس بالوجه الذي لا يبيحه الله عز وجل ودفعها إلى غير أصحابها. 

التــحــلــيل 
مفهوم الرشوة وأضرارها : 
الرشوة هي كل ما يعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل، سواء كان مالا أو أي شيء آخر له منفعة يطلب من أجلها . وقد حرمت الرشوة في الإسلام لما لها من إضرار على الفرد والمجتمع ونذكر منها:
* قضاء الأغراض على حساب الضعفاء ماديا ومعنويا.
* ضياع حقوق الناس خاصة الذين لا يملكون نقودا ولا سلطة.
* إبطال الحق وإحقاق الباطل.
* التملص من آداء الواجب.
* الحصول على مال بطريق غير شرعي. 


وسائل محاربة الرشوة : 
أقر الإسلام مجموعة من الوسائل لمحاربة الرشوة نذكر منها:
* الإحساس بمراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلن.
* الإيمان القوي
* التوعية من طرف الأسرة والمدرسة والمسجد
* التذكير بعقاب الله للراشي والمرتشي والرائش وكل من له علاقة بمجال الرشوة
     الرجوع
   
                                                    الرشوة 
"إن المتتبع لشريعة الإسلام يرى أن المال الصالح قوام الحياة، ولقد أجمع الأنبياء والرسل قاطبة على الديانة بالتوحيد في مللهم، وعلى حفظ المال والنفس والعقل والعرض.
ويدعو الإسلام إلى كسب المال واستثماره وتنميته بالطرق المشروعة، ويأبى أي عدوان على حقوق الناس المالية دون سبب مشروع، فيقول جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [النساء:29] ويقول جلّ شأنه: ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [البقرة: 188.
وكما أن العدوان على الدم والعرض منكر لا يقبل، فكذلك العدوان على المال، وفي خطبة الوداع بيَّنَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام ما ينبغي لحقوق الناس المالية من قداسة، فقال بعد أن تساءل: أي شهر هذا ؟ أي بلد هذا ؟: " فَإِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَلَكُم عَلَيْكُم حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هَذَا فِي شَهْرِكُم هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا". [صحيح البخاري].

فمن خالف أمر الله بأكل الحرام فهو المعتدي، ولا يرضى المسلم أن يُخْرج نفسه عن نطاق محبة الله باعتدائه، لأن الله يقول: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) [ المائدة 190.

إن من طرق اكتساب المال الذي حرمته شريعتنا تحريمًا جازما الرشوة، أخذًا وإعطاءً وتوسطًا، وذلك لخطرها الكبير على المجتمعات الإنسانية، فهي من أشدّ الأمراض الاجتماعية فتكًا بالأمم، فهي تفتك بالمجتمع فتكًا ذريعًا، وتهدر أخلاق الأمة وكيانها وتعود عليها بالوبال والدمار في الأسر والمجتمعات والأفراد والمال في الدنيا ويوم العرض على الكبير المتعال، فإذا فشت الرشوة في أمة من الأمم واسْتَمْرَأ الناس تعاطيَها فاعلم أن الضمائر قد ماتت، وأن نظام الأمة قد قُوِّض، فقد شدّد الشرع على آخذها ودافعها والساعي بينهما بأن جعلهم مطرودين عن رحمة الله، متعرضين لسخطه وغضبه، فعن ثوبان – رضي الله عنه – قال: "لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الراشي والمرتشي والرائش" وما دخلت الرشوة عملًا إلا عاقته، ولا مجتمعًا إلا أفسدته، فكلٌ منهم ظالم: المرتشي لأخذه الذي يحمله على الجور في حكمه، أو التساهل في عمله، والغلظة على من لا يدفع شيئًا، وتقطيب وجهه أمامه حتى يجعله يهاب من مراجعته؛ والدافع لها عون كبير على الظلم، وعلى تشجيع الظالمين، ومفسد لقلوبهم على الآخرين، الذين تأبى أذواقهم السليمة، ومظهرهم المستقيم، وعقيدتهم الحية عن دفع الرشوة؛ والساعي بينهما راضٍ لفعلهما ومقرٌ لمنكَرهما، والراضي كالفاعل، فالرشوة ُ أكل للأموال بالباطل، وتناول للسحت، يقول – جلّ وعلا –: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) [البقرة: 188]، ويقول سبحانه في شأن اليهود: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [المائدة 42] يُروى عن عمر –رضي الله عنه– أنه قال: (بابان من السحت يأكلهما الناس:الرشا ومهر الزانية) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 240) وعزاه في الدر المنثور (3/ 81) أيضًا لعبد بن حميد)، ولم يتوقف الأمر على مجرد النهي عنها وذمها، بل تعدى ذلك ليصل إلى حد اللعن الصريح الذي يعني الطرد من رحمة الله تعالى، وما هذا إلا لأن الرشوة قتل لكفاءات المجتمع، ودعوة صريحة لهدم أساساته التي يقوم عليها ازدهاره وتقدمه، وهي تقديم أهل الكفاءة والخبرة، فإذا تقهقر هؤلاء وتصدر المشهدَ أربابُ الأموال الذين لا علم لهم ولا كفاءة ولا مقدرة على قيادة دفة الأمور، فإن المجتمع يصير علي شفا جُرُفٍ هار، معرض للانهيار في أية لحظة، فهو وإن بدا قويًا في ظاهره، إلا أنه خاو ٍ من أي مضمون، ما هو إلا مجرد قشرة خارجية لا يتعدى سمكها قيمة الأموال الزائلة التي شكلهتا وحددت معالمها. إن ضعاف النفوس من محبي المال يعينون الفاسدين علي إفسادهم، ويساهمون من حيث لا يشعرون في تقويض قدرات مجتمعهم وفشله، فحبهم للمال يدفعهم ويسوقهم إلى ارتكاب خطيئة الرشوة ودفع المجتمع إلى الهاوية، فإن لم يتحملوا المسئولية التي أنيطت بهم فإنهم يعرضون أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم إلي الهلاك غير المباشر والذي قد لا يظهر أثره في وقت سريع، وإنما يسقط المجتمع على المدى الطويل عندما يتحول المجرم إلي بريء والبريء إلي مجرم بفعل الرشوة، وعندما يتحول صاحب الكفاءة إلى كم مهمل، وعندما يتحول الشخص التافه إلى قائد أو مسئول أو حتى موظف في غير مكانه.

ففي الحديث الشريف: عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – ( مَنِ استعملَ رجلًا من عصابةٍ وفي تلكَ العصابةِ من هو أرضى للهِ منه فقد خانَ اللهَ وخانَ رسولَهُ وخانَ المؤمنين ). (المستدرك 4 / 92 وقال:هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).

ومن أقبح وأخسِّ الأساليب الملتوية للحصول على الرشوة: تعطيلُ مصالح الناس والتسويف في إنجازها إلى أن يتم أخذ الرشوة، وفي ذلك خيانة للأمانة التي يقول الله تعالي فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {27} وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (الأنفال:28،27).

وهكذا تضيع الأمانات بسبب الرشوة، وتؤكل بسببها أموال الناس بالباطل، وتتحول الأعمال الشريفة إلى أعمال لصوصية، كرشوة المسئولين في مشاريع الدولة العمرانية من قبل بعض أصحاب الأعمال، وكرشوة بعض المشرفين على الأعمال من أجل التقصير بالعمل، وعدم تنفيذ الشروط المبرمة بالعقود، وعدم الوفاء بما عليها من التزامات، فالمرتشي يخون الأمانة التي عُهِدَ بها إليه، ويمنع الحق عن صاحبه، ويشجع على ضياع الذمم، وخراب الضمائر وإهدار الشرف والكرامة، والراشي كذلك يساعد المرتشي على أموال الناس بالباطل، وينمي فيه الخلق السيئ، وييسر له التحكم فيما هو حق لغيره، ويستحل ما ليس له، ومن أجل هذا كان الراشي والمرتشي ملعونين على لسان نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم-، فعن عبدالله بن عمرو، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: (لعنةُ اللهِ على الراشِي والمرتَشِي ) ( سنن ابن ماجة )، أي: الآخذ والمعطي.

الرشوة في الإسلام محرمة بأيةِ صورة كانت، وبأي اسم سميت، فمن يستغل نفوذه ويستبيح لنفسه أن يأخذ ما لا يحل له أخذه، وإن ألبسه أثوابا مستعارة كالهدية والوساطة وغير ذلك، فهذا خيانة في الأمانة، وسحت لا يبارك الله له فيه ولا في نفسه ولا في أولاده ولا في عائلته ولا إنفاقه في الأمانة ولا مأكله ولا مشربه، فكل جسم نبت من حرام فالنار أولى به، كما في حديث كعب ابن عجرة الأنصاري – رضي الله عنه – قال: قال لي رسول الله – صلي الله عليه وسلم – (لا يدخلُ الجنةَ لحمٌ نبتَ من سحتٍ، وكلُّ لحمٍ نبتَ من سحتٍ فالنارُ أولى به …) ( المعجم الصغير ). فيتعين على الحاكم ومن له ولاية تتعلق بأمور الناس أن لا يقبل الهدية ممن لم يكن معتادًا الإهداء إليه قبل ولايته، فهي في هذا المقام تعتبر رشوة.

ومن ثم فإنه ينبغي على المسلم أن يحذر استغلال وظيفته ومكانه، بأن يجعل ذلك سببًا لجذب المال، والثراء من خلال أداء العمل، فيحابي ويجامل لأجل أن ينال مطامع مادية في عمله، فذلك المكسب مكسب خبيث، وأخذ للمال بغير حق، ولأجل هذا حرّم رسول الله – صلي الله عليه وسلم – الرشوة، تحذيرًا للمسلمين من شرها، وإبعادًا لهم من ضررها، وحماية لدينهم، وحماية لأموالهم، وحماية للمجتمع عمومًا. فكم من مظالم انتهكت، وكم من دماء ضيعت، وكم من حقوق طمست، ما أضاعها وما طمسها إلا الراشون والمرتشون فحسبهم الله الذي لا تنام عينه، وويل لهم مما عملت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.

فأيّ خير يرجى في قوم مقياس الكفاءة فيهم ما يتزلف به المرءوس لرؤسائه من قرابين ؟! وأيّ إنتاج يرتجى لأعمال لا تسير عندهم إلا بعد هدايا الراشين والمرتشين ؟! فالرشوة تهدر الحقوق، وتعطل المصالح، وبها يقدم السفيه الخامل، ويبعد المجد العامل، فكم ضَيعتْ من حق، وأَهدرتْ من كرامة، ورفعتْ من لئيم، وأهانت من كريم، إن الرشوة قضية خطيرة ينبغي التصدي لها بقوة والأخذ على متعاطيها بيد من حديد.
     الرجوع
     الدرس رقم 1     الدرس رقم 2
يتم التشغيل بواسطة Blogger.